ابن قيم الجوزية
259
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
والتقسية من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه ، جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب ؛ ولهذا كان محمودا عليه ، فهو حسن منه ، وأقبح شيء منهم ، فإنه عدل منه وحكمة ، وهو ظلم منهم وسفه . فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم ، يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما ، والمقضي المقدّر يكون ظلما وجورا وسفها . وهو فعل جاهل ظالم سفيه . فصل وأما الصرف فقال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) [ التوبة ] فأخبر سبحانه عن فعلهم ، وهو الانصراف ، وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن القرآن وتدبره ، لأنهم ليسوا أهلا له ، فالمحل غير صالح ولا قابل ، فإنّ صلاحية المحل بشيئين : حسن فهم ، وحسن قصد ، وهؤلاء قلوبهم لا تفقه ، وقصودهم سيئة ، وقد صرح سبحانه بهذا في قوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال ] فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم ، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم ، فلم يسمعهم سماع إفهام ، ينتفعون به ، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته ، فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم . ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر ، قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان ، لو أسمعهم هذا السماع الخاص ، وهو الكبر والتولّي والإعراض ، فالأول مانع من الفهم ، والثاني مانع من الانقياد والإذعان . فأفهام سيئة ، وقصود ردية ، وهذه